العلامة المجلسي

19

بحار الأنوار

" قال له موسى إنك لغوي مبين " أي ظاهر الغواية ، قاتلت بالأمس رجلا وتقاتل اليوم آخر ، ولم يرد الغواية في الدين ، والمراد أن من خاصم آل فرعون مع كثرتهم فإنه غوي أي خائب فيما يطلبه ، عادل عن الصواب فيما يقصده . " فلما أراد أن يبطش " أي فلما أخذته الرقة على الإسرائيلي وأراد أن يدفع القبطي الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي عنه ويبطش به ، أي يأخذه بشدة ظن الإسرائيلي أن موسى قصده لما قال له : " إنك لغوي مبين " فقال : " أتريد أن تقتلني " وقيل : هو من قول القبطي لأنه قد اشتهر أمر القتل بالأمس وأنه قتله بعض بني إسرائيل " إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض " أي ما تريد إلا أن تكون جبارا عاليا في الأرض بالقتل والظلم ، ولما قال الإسرائيلي ذلك علم القبطي أن القاتل موسى ، فانطلق إلى فرعون فأخبره به ، فأمر فرعون بقتل موسى وبعث في طلبه . " فخرج منها " أي من مدينة فرعون " خائفا " من أن يطلب فيقتل " يترقب " الطلب قال ابن عباس : خرج متوجها نحو مدين وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه ، وقيل : إنه خرج بغير زاد ولا حذاء ولا ظهر ( 1 ) وكان لا يأكل إلا من حشيش الصحراء حتى بلغ ماء مدين " ولما توجه تلقاء مدين " قال الزجاج : أي لما سلك في الطريق الذي يلقى مدين فيها ، وهي على مسيرة ثمانية أيام من مصر ، نحو ما بين الكوفة إلى البصرة ، ولم يكن له بالطريق علم ولذلك قال : " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " أي يرشدني قصد السبيل إلى مدين ، وقيل : إنه لم يقصد موضعا بعينه ولكنه أخذ في طريق مدين . وقال عكرمة : عرضت لموسى أربع طرق فلم يدر أيتها يسلك ، ولذلك قال : " عسى ربي أن يهديني " فلما دعا ربه استجاب له ودله على الطريق المستقيم إلى مدين ، وقيل : جاء ملك على فرس بيده عنزة ( 2 ) فانطلق به إلى مدين ، وقيل : إنه خرج حافيا ولم يصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه ( 3 ) عن ابن جبير " فلما ورد ماء مدين " وهو بئر كانت لهم

--> ( 1 ) الظهر : الركاب التي تحمل الأثقال . ( 2 ) العنزة : أطول من العصا وأقصر من الرمح وفيه زج كزج الرمح . ( 3 ) الخف من الانسان : ما أصاب الأرض من باطن قدمه .